محمد جواد مغنية
385
في ظلال الصحيفة السجادية
رحمته ، ومغفرته وإن يكّ عاصيا ( ويا من هو غاية خشية المتّقين ) وقد حدد سبحانه المتّقين بقوله : وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ « 1 » أي يتركون ما حرم اللّه خوفا منه ، وإن كانوا في أمن ، وأمان من لوم اللائمين ، وأعين النّاس أجمعين . ( هذا مقام من تداولته أيدي الذّنوب . . . ) ليس هذا اعتذارا ، وإقلاعا عما فعل - كيف وهو الإمام المعصوم - بل استغفارا ، وخضوعا لذات الجلال ، والكمال . وتقدّم مثله « 2 » . ( حتّى إذا انفتح له بصر الهدى . . . ) انكشف له الواقع ، واتضح كضوء النّهار ، وعرف أنّه لا سبيل إلى النّجاة إلا بطاعة اللّه ، فأقلع عن هواه ، وخطاياه ، وأسلم وجهه إلى اللّه عن توبة خالصة ، ورغبة صادقة ( فرأى كبير عصيانه كثيرا . . . ) قال النّبي الكريم صلّى اللّه عليه واله : « من رأى إنّه مسيء فهو محسن ، ومن رأى إنّه محسن فهو مسيء » « 3 » والإمام يرى الهفوة الصّغيرة من أكبر الكبائر ؛ لأنّه أدرى النّاس بعقبى الهفوات ، والزّلات . وبعد ، فكلما ازداد الإنسان علما ، وتقى أتهم نفسه بالتّقصير ، وتوقع منها الخطأ ، وكلّما قلّ علمه ، ودينه ، وضاق تفكيره ، وقصر نظره - نزه نفسه من العيوب ، وبرأها من الذّنوب ، وقال : من مثلي ! . فأقبل نحوك مؤمّلا لك ، مستحييا منك ، ووجّه رغبته إليك ثقة بك ، فأمّك بطمعه يقينا ، وقصدك بخوفه إخلاصا .
--> ( 1 ) الأنبياء : 48 - 49 . ( 2 ) انظر ، الدّعاء السّادس عشر ، وغيره . ( 3 ) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 20 / 317 ، الحكمة ( 641 ) .